تقریر محاضرات الفقیه هاشم النیازی فی شرح الأصول للعام الدراسی 1392 ـ 1393

المفاهیم

المفهوم بشکل عام هو: کل حکم لازم للمنطوق.

ولکن، لیس کلّ لازم للکلام یسمى مفهوماً. فوجوب المقدمة لازم لوجوب ذیها ولکنّه لیس مفهوماً. وحرمة الضد مدلول التزامی للأمر بالواجب ولکنّه لیس مفهوماً.

کیفیة تحدید المفهوم، وتمییزه عن الباقیین 1 ـ المیرزا النائینی قدّس سرّه الشریف

إنّ الحکم اللازم للکلام تارة یکون لزومه واضحاً بحیث لا یحتاج إثباته إلى إقامة دلیل، وأخرى لا یکون کذلک. والمفهوم هو الحکم اللازم للکلام بدرجة واضحة لا یحتاج معها إلى إقامة دلیل. ویسمى فی المنطق باللازم البین أو البین بالمعنى الأخصّ.

إشکال الشهید الصدر قدّس سرّه الشریف

تدلّ جملة «إذا جاءک زید فاکرمه» على أنّ «إذا لم یجیء زید فلا تکرمه»؛ باللزوم.

وهذه الدلالة لیست واضحة بشکل لا تحتاج إلى دلیل، بل تحتاج إلى أدلّة دقیقة.

وهذه الأدلّة تکشف عن أنّ المفهوم لا یلزم فیه أن یکون لزومه للمنطوق واضحاً؛ بل هو الحکم اللازم وإن لم یکن لزومه واضحاً.

2 ـ الشهید الصدر قدّس سرّه الشریف

المفهوم هو: الحکم اللازم للکلام المستفاد من الربط الخاص بین المحمول والموضوع، لا من خصوصیة الموضوع والمحمول.

مثال: إذا قال المتکلم: «إذا جاءک ابن الکریم وجب علیک إکرامه».

توجد فی کلامه ثلاثة أحکام التزامیة هی:

          أ ـ إذا جاءک نفس الکریم فیجب إکرامه. وهذا الحکم یستفاد من خصوصیة الموضوع، وهی عنوان ابن الکریم. فلو فرض أنّ المذکور فی الموضوع عنوان الیتیم دون ابن الکریم، فلا نستفید أنّ أمّ الیتیم لو جاءت وجب إکرامها.

          ب ـ یجب تهیئة مقدمات وجوب الإکرام من باب أنّ مقدمة الواجب واجبة. وهذا الحکم مستفاد من خصوصیة المحمول التی هی الوجوب. فلو فرض أنّ الحکم هو استحباب الإکرام إو إباحته لما استفدنا من ذلک وجوب المقدمات.

          ج ـ انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، فمتى ما انتفى الشرط انتفى الجزاء. وهذا الحکم یستفاد من الربط الخاص بین الشرط والجزاء. ولیس من خصوصیة الموضوع، أو من خصوصیة المحمول حتى یختلف باختلافهما.

رکنا المفهوم عند المشهور

الرکن الأول: کونه حکماً التزامیاً متفرعاً على الربط الخاص بین الموضوع والمحمول.

الرکن الثانی: کون المنتفی عند الانتفاء سنخ الحکم، لا شخصه.

محل النزاع عند المحقق العراقی

قال المحقق العراقی: لا بدّ وأن ینصب النزاع على الرکن الثانی فقط؛ لأنّ الکل یقول: إنّ الشرط علة منحصرة للجزاء، إذ لو لم یکن المجیء علة منحصرة لوجوب الإکرام فمن اللازم أن لا ینتفی شخص الحکم أیضاً بانتفاء المجیء، فإنّه إذا کانت هناک علّة أخرى غیر المجیء، فکما یلزم عدم انتفاء طبیعی الحکم بانتفاء المجیء کذلک یلزم عدم انتفاء شخص الحکم لقیام العلة الثانیة مقام العلة الأولى، فیلزم بقاء شخص الحکم، والحال أنّ الکل متفق على انتفائه بانتفاء الشرط، وهذا لازمه الاتفاق على أنّ الشرط علة منحصرة، فالنزاع لا بدّ وأن ینصب على الرکن الثانی، فیقال: هل أنّ قرینة الحکمة یمکن أن تثبت الرکن الثانی؟ هل أنّ الجزاء هو طبیعی الوجوب أو لا؟

توضیح:

1 ـ ینتفی ـ عند المثبتین للمفهوم والمنکرین له ـ وجوب الإکرام المقید بالمجیء بانتفاء المجیء؛ بمقتضى قاعدة الاحتراز فی القیود، ولیس بمقتضى المفهوم.

2 ـ ینتفی ـ عند المثبتین للمفهوم فقط ـ وجوب الإکرام المقید بالمجیء بانتفاء المجیء؛ بمقتضى قاعدة الاحتراز فی القیود، وکذلک ینتفی طبیعى الوجوب، المقید بکونه مریضاً أو فقیراً، بمقتضى المفهوم.

مفهوم الشرط ضابطا المشهور فی إثبات مفهوم الشرط

أ ـ وجود ملازمة بین الشرط والجزاء.

ب ـ أن یکون اللزوم بنحو العلیة الانحصاریة.

وسائل إثبات کون الشرط علة منحصرة للجزاء 1 ـ المشهور: قرینة الحکمة

الوسیلة لإثبات کون الشرط علة منحصرة، هی قرینة الحکمة؛ لأنّ المولى فی مقام البیان ولم یقیّد إطلاقه، ولهذا قیل: إنّ المعلول یستند إلى أسبق العلل.

2 ـ الآخوند، بالوضع، والکاشف هو التبادر

إنّ جملة «إذا جاءک زید فاکرمه» موضوعة للانحصار، والکاشف عن ذلک هو التبادر؛ فإنّ المتبادر کون المجیء علة منحصرة لوجوب الإکرام، والتبادر علامة الوضع. والاحساس بهذا التبادر أمر وجدانی.

الإشکال على الآخوند

لو کانت الشرطیة موضوعة للانحصار لزم أن یکون استعمالها فی مورد عدم الانحصار مجازاً، والحال أنّا لا نشعر بذلک أبداً، فإنّه لو قیل: «إذا جاءک زید فاکرمه» لا نشعر بالمجازیة، حتى ولو کانت هناک علة أخرى غیر المجیء کالمرض والفقر ونحوها. وعلى هذا یقع التصادم بین هذین الوجدانین «وجدان تبادر الانحصار، ووجدان عدم المجازیة فی حالات عدم الانحصار»، وقد رجّح الآخوند الوجدان الثانی وطرح الأول، ولذا أنکر ثبوت المفهوم للشرطیة.

ولکن إذا أردنا إثبات المفهوم، فلا بدّ وأن نوفق بین الوجدانین ونرفع التنافی بینهما.

3 ـ الشهید الصدر: التوقف، بوضع الوضع

قال الشهید الصدر: إذا لم یمکن لقرینة الحکمة إثبات کون الشرط علّة منحصرة للجزاء، فلا یستدعی هذا إنکار المفهوم للشرطیة ـ کما أنکر الآخوند ـ؛ لإمکان ثبوت المفهوم للشرطیة من طریق أنّ واضع اللغة قد وضع الجملة الشرطیة ـ إذا جاءک زید فاکرمه ـ «للتوقف» دون «الاستلزام»، وهو أنّ وجوب الإکرام موقوف على المجیء، وإن لم یکن الشرط علّة منحصرة، أو جزء علّة منحصرة.

الإشکال على الشهید الصدر

لو کانت الشرطیة موضوعة للتوقف، فلازم ذلک أن یکون استعمالها فی موارد وجود العلة البدیلة مجازاً؛ لعدم استعمالها فی التوقف فی الموارد المذکورة، مع إنّ استعمال الشرطیة فی موارد عدم الانحصار لا مجازیة فیه بالوجدان.

الجواب: تکون الجملة فی موارد العلة البدیلة مستعملة فی التوقف أیضاً، لکنّها لا تدلّ على المفهوم من جهة اختلال الرکن الثانی، وهو کون الجزاء شخص الحکم لا سنخه. لأنّ ثبوت المفهوم بحاجة إلى إثبات أمرین:

الرکن الأول: التوقف، أو العلیة الانحصاریة.

الرکن الثانی: کون المعلق على الشرط طبیعی الحکم.

فعلى هذا، تکون الشرطیة مستعملة فی معناها الحقیقی وهو التوقف، غایة الأمر هی مستعملة لإفادة شخص الحکم وبذلک یکون استعمالها حقیقیاً، ولا موجب لصیرورته مجازیاً، سوى عدم استعمال هیئة «أکرمه» فی الشرط المسوق لتحقق الموضوع.

الفرق بین مسلک المشهور ومسلک الشهید الصدر

اصطلح على طریق المشهور بالطریق لاستفادة المفهوم على مستوى المدلول التصدیقی؛ لأنّ إثبات أنّ الشرط علة منحصرة یحتاج إلى التمسک بقرینة الحکمة، وقرینة الحکمة ناظرة إلى تعیین المقصود الجدی المعبر عنه بالمدلول التصدیقی.

واصطلح على طریق التمسک بالتوقف بالطریق لاستفادة المفهوم على مستوى المدلول التصوری وهو المدلول الوضعی؛ لأنّ التمسک بالتوقف یحتاج إلى إثبات وضع الشرطیة للتوقف.

الفرق بین مسلک الآخوند ومسلک الشهید الصدر

لو کانت الشرطیة تدلّ على الانحصار بالتبادر لزم أن یکون استعمالها فی مورد عدم الانحصار مجازاً، أمّا لو کانت موضوعة للتوقف فلا یلزم أن یکون استعمالها فی مورد عدم الانحصار مجازاً.

3 ـ الانصراف

إنّ ثبوت المفهوم للشرطیة بحاجة إلى إثبات أمرین، هما:

الأمر الأول: إثبات أنّ الشرطیة تدل على وجود ملازمة بین الشرط والجزاء.

ویمکن إثبات أصل الملازمة عن طریق الوضع، بأن نقول: إنّ الشرطیة موضوعة لحالة الملازمة، والکاشف عن ذلک هو التبادر، فإنّ المتبادر من کلّ شرطیة هو وجود ملازمة بین الشرط والجزاء بحیث لا ینفک أحدهما عن الآخر.

الأمر الثانی: إثبات أنّ الملازمة التی تدل علیها الشرطیة هی ملازمة على نحو العلیة الانحصاریة ولیست مطلق الملازمة.

ویمکن إثبات کون اللزوم بنحو العلیة الانحصاریة عن طریق الانصراف، بأن یقال: إنّ الملازمة بین العلة والمعلول حالة کون العلة منحصرة أقوى وأکمل من الملازمة بین العلة والمعلول حالة وجود علة ثانیة بدیلة. وهذه الأکملیة توجب الانصراف إلى الفرد الأکمل، وهو الملازمة على نحو العلیة الانحصاریة.

الإشکالان على وسیلة الانصراف

الإشکال الأول: إنّکم قلتم: إنّ الانصراف یحصل بسبب الأکملیة، ونحن لا نسلم بکون الأکملیة من أسباب الانصراف؛ لأنّ الانصراف یحصل بسبب کثرة استعمال اللفظ فی بعض الأفراد ولا یحصل بسبب الأکملیة، وإلّا یلزم فیما لو قال المتکلم «اعتق رقبة» اعتاق خصوص الرقبة العالمة الفاضلة المجاهدة التقیة التی هی أکمل أفراد الرقبة، والحال عدم احتمال ذلک.

الإشکال الثانی: لو سلّم أنّ الأکملیة سبب للانصراف، فلا نسلم أنّ الملازمة حالة انحصار العلة أکمل من الملازمة حالة عدم الانحصار، فلو کانت بین أیدینا نار تسخن الماء فالنار مستلزمة لسخونة الماء، ولکن هذه الملازمة بین النار والسخونة لا تضعف فیما لو فرض وجود نار ثانیة تصلح للقیام مقام النار الأولى، ولا تقوى ولا تصیر أکمل فیما لو فرض عدم وجود نار أخرى بدیلة، بل الملازمة هی هی، دون أن تقوى أو تضعف بافتراض وجود أو عدم وجود نار أخرى.

5 ـ النائینی: الإطلاق

ثبوت المفهوم للشرطیة بحاجة إلى إثبات أمرین، هما:

الأمر الأول: دلالة الشرطیة على اللزوم العلیّ. وثبوته من طریق الوضع أو غیره.

الأمر الثانی: کون الشرط علّة منحصرة.

ولإثباته یقال: إنّ الجزاء متعلق ومتقید بالشرط، فوجوب الإکرام مقید بالمجیء، بید أنّه تارة یکون متقیداً بعلة واحدة معینة وأخرى بواحدة غیر معینة من علتین. والتقید بواحدة من علتین ذو مؤونة أکبر فی عالم الثبوت، فإنّ وجوب الإکرام لو کانت له علة واحدة فهو لا یحتاج إلى التقیید بکلمة «أو»، بینما لو کانت له علة ثانیة بدیلة احتاج إلى التقیید بـ «أو»، بأن یقال: إن جاءک زید أو مرض فاکرمه. وبعد هذا نقول: إذا کانت عندنا علّیتان واقعاً، إحداهما تحتاج إلى مؤونة أکبر والأخرى لا تحتاج إلى تلک المؤونة؛ فإطلاق الکلام ـ أی: عدم تقییده بکلمة «أو» ـ یدل على عدم إرادة العلیّة ذات المؤونة الأکبر.

فإن قید بـ «أو»، وقیل: «إذا جاءک زید أو کان مریضاً فاکرمه» فلازم ذلک وجود علة أخرى بدیلة، أی أنّ الشرط لیس علة منحصرة، بینما إذا قید بـ «و»، فقیل: «إذا جاءک زید وکان مریضاً فاکرمه»، فلازمه کون المجیء جزء العلة ولیس علة تامة، بل العلة التامة هی مجموع المجیء والمرض.

ومن هنا یتجلى أنّ إطلاق الشرط بمعنى عدم التقیید بـ «أو» یدل على أنّ الشرط علة منحصرة، بینما إطلاق الشرط بمعنى عدم التقیید بـ «و» یدل على أنّ الشرط علة تامة ولیس جزء علة.

والمیرزا یقول: إنّی أتمسک لإثبات أنّ الشرط علة منحصرة بإطلاق الشرط، بمعنى عدم تقییده بـ «أو»، ولیس بإطلاقه بمعنى عدم تقییده بـ «و»؛ فإنّ الإطلاق الواوی لا یثبت کون الشرط علة منحصرة، وإنّما یثبت کونه علة تامة، وأنا أرید إثبات کونه علة منحصرة.

إشکال الشهید الصدر

إذا اعترفت أیّها المیرزا أنّ الشرطیة موضوعة للتوقف دون الاستلزام، فلا حاجة إلى إثبات أنّ الشرط علة منحصرة، فإنّ وجوب الإکرام إذا کان متوقفاً على المجیء، فلازمه انتفاؤه عند انتفاء المجیء، بلا حاجة لإثبات کون الشرط علة منحصرة.

وإن لم تعترف بوضعها للتوقف بل للاستلزام، فما ذکرته من البیان لیس بتام؛ لأنّه یفترض أنّ وجوب الإکرام لو کانت له علة أخرى غیر المجیء، یلزم منه حصول التضییق فی علیّة المجیء، وهذا ما لا نسلمه، فإنّا وإن کنّا نسلم أنّ وجود علة ثانیة بدیلة یستلزم التقیید بـ «أو» ولکننا ننکر کون هذا التقیید موجباً للتضییق، فهو تقیید، ولکنّه لا یوجب التضییق فی علیّة المجیء، وهذا شیء وجدانی، فإنّه لو کان عندنا نار یمکنها أن تسخن الماء مدة ساعة، فالنار المذکوره تستلزم السخونة، وإذا فرضنا وجود نار أخرى یمکن أن تقع بدیلاً عن هذه النار، فلا تتضیق علیّة النار الأولى ویتضیق استلزامها للسخونة.

فالإطلاق لا یصح التمسک به لنفی التقیید إلّا إذا فرض کون التقیید موجباً للتضییق، أمّا إذا لم یکن موجباً للتضییق ـ کما هو الحال فی المقام ـ فلا یصح التمسک به.

ولو قیل: صحیح أنّ وجود علة ثانیة لا یستلزم تضییقاً فی علیّة العلة الأولى وإنّما یوجب ثبوت علة ثانیة جدیدة، ولکنّا نقول: إنّه لو کانت هناک علة ثانیة یلزم على المولى بیانها، فسکوته یدل على عدمها. نجیب بأنّه لا یلزم على المولى بیان کل شیء إضافی، ولیس سکوته عنه دالاً على عدمه.

الشرط المسوق لبیان تحقق الموضوع 1 ـ متى تکون الشرطیة مسوقة لبیان تحقق الموضوع؟

الشرطیة تحتوی على أرکان ثلاثة، هی:

أ ـ الشرط، مثل: المجیء.

ب ـ الموضوع، مثل: زید.

ج ـ الحکم، مثل: وجوب الإکرام.

تارة یکون الشرط مغایراً للموضوع وغیر محقق له، کقولک: «إذا جاء زید فاکرمه»؛ فإنّ مجىء زید غیر زید.

وتارة أخرى یکون هو الأسلوب والطریق لتحققه، کقولک: «إن رزقت ولداً فاختنه»؛ فإنّ الموضوع هو الولد، والشرط هو رزقه، وواضح أنّ رزق الولد لیس شیئاً مبایناً للولد، بل رزقه سبحانه الولد هو الطریق لوجوده، ولا یوجد فی الخارج شیئان: الولد ورزق الولد.

فإذا کان الشرط مغایراً للموضوع، فلا شک فی ثبوت المفهوم، وأمّا إذا لم یکن مغایراً له، فهناک صورتان:

الأولى: أن یکون الشرط هو الطریق الوحید لتحقق الموضوع، وهذا مثل قولک: «إن رزقت ولداً فاختنه»، فإنّ رزقه سبحانه الولد هو الطریق الوحید لوجود الولد، ولا یوجد طریق غیره.

الثانیة: أن یکون تحقق الموضوع ممکناً بطریقین، ویکون الشرط أحد الطریقین، وهذا کقوله تعالى فی آیة النبأ؛ فإنّ الشرط هو مجىء الفاسق، والموضوع هو النبأ، وواضح أنّ مجیء الفاسق بالنبأ یحقق النبأ، ولکن لیس هو الطریق الوحید له، بل یوجد طریق آخر لحصوله وهو مجىء العادل به.

النتیجة

إذا کانت الشرطیة مسوقة لبیان تحقق الموضوع، فیما إذا کان الشرط هو الطریق لتحقق الموضوع، سواء کان هو الأسلوب الوحید أم لا.

أمّا إذا کان الشرط مغایراً للموضوع، فلیست الشرطیة مسوقة لبیان تحقق الموضوع. وقد تسمى بأنّها مسوقة لبیان تحقق المحمول.

2 ـ لماذا لا تدل الشرطیة المسوقة لبیان تحقق الموضوع على المفهوم؟

إنّ النکتة فی ثبوت المفهوم للشرطیة هو ارتباط الحکم وتقیده بالشرط، ففی قولک: «إذا جاءک زید فاکرمه» یثبت المفهوم؛ لکون وجوب الإکرام قد قیّد بالمجیء.

وإنّ الموضوع حیث یمکن أن یتحقق بدون الشرط، فالحکم یکون مرتبطاً بالشرط بالإضافة إلى ارتباطه بالموضوع، ومعه فیثبت المفهوم.

فیستفاد من قوله تعالى فی آیة النبأ ارتباطان، هما:

الأول: ارتباط وجوب التبین بالنبأ، الذی هو الموضوع.

الثانی: ارتباط وجوب التبین بمجیء الفاسق، الذی هو الشرط.

ومادام وجوب التبین مرتبطاً بمجىء الفاسق یثبت المفهوم.

أمّا إذا لم یکن وجوب الإکرام متقیداً بالمجىء، وإنّما کان متقیداً بزید ـ الذی هو الموضوع ـ فقط، فلا یثبت المفهوم.

ففی جملة «إن رزقت ولداً فاختنه» نلاحظ أنّ وجوب الختان عدم کونه متقیداً بالشرط، وإنّما هو متقید بالموضوع فقط، والسبب فی ذلک أنّ الشرط لیس له وجود مغایر لوجود الموضوع ـ فان رزق الولد لیس شیئاً مغایراً لوجود الولد، بل هو نفسه ـ حتى یکون وجوب الختان مقیداً به، وبالتالی حتى یثبت بسبب ذلک المفهوم.

المفاهیم الأخرى

1 ـ مفهوم الوصف، فی الغنم السائمة زکاة.

2 ـ مفهوم الغایة، صم إلى اللیل.

3 ـ مفهوم الاستثناء، أکرم الفقراء إلّا الفسّأق.

4 ـ مفهوم العدد، المفطرات عشر.

5 ـ مفهوم الحصر، إنّما العالم زید.

وقد وقع النزاع فی دلالة کلمة «إنّما» على الحصر. فذهب الأنصاری إلى عدم دلالتها على ذلک؛ لانسداد جمیع الطرق لإثبات الوضع ـ وهی: التبادر، والاستعمالات العربیة، والمرادف فی غیر اللغة العربیة ـ للحصر.

فردّه الآخوند بوجود طریق رابع، وهو التبادر عند العرب، فإنّ المتبادر إلى أذهانهم من کلمة «إنّما» الحصر، وهو یکفی لإثبات الوضع.

أدوات الطلب

للأمر مادة، وهیئة.

1 ـ المقصود من المادة هو کلمة الأمر ومشتقاتها، مثل آمرک بالصلاة، أو أنت مأمور بها. ولا شک فی دلالة کلمة «الأمر» ـ المعبر عنها بمادة الأمر ـ ومشتقاتها على الطلب، وهذا لعلّه من الواضحات، فإنّ کل إنسان عرفی یفهم من قولک: «آمرک بالجد والاجتهاد»: أطلب منک الجد والاجتهاد، إلّا أنّ کلمة «الأمر» وإن کانت دالة على الطلب، ولکن لا کل طلب، بل خصوص الطلب من العالی إلى الدانی، أما من المساوی إلى المساوی، أو من الدانی إلى العالی فلا یسمى بالأمر، بل یسمى بالطلب من دون التعبیر عنه بکلمة «الأمر».

2 ـ المقصود من الهیئة مثل صلّ وصم وهکذا.

قال الشهید الصدر: یدل فعل الأمر «صلّ، صم» على الطلب، ولکن مع فارقین:

أ ـ إنّ کلمة «الأمر» تدل على الطلب مباشرة، ومن دون توسیط واسطة؛ فإنّ قولک: «آمرک بالاجتهاد» معناه: أطلب منک الاجتهاد، وهذا بخلافه فی صیغة الأمر مثل صلّ وصم؛ فإنّها ابتداء لا تدل على الطلب، بل على النسبة الإرسالیة، أی: إرسال المکلف إلى الصلاة، وبما أنّ إرسال المرسَل نحو سعى منه إلى مقصوده، فیصدق على إرساله، وینتزع منه عنوان الطلب، فصیغة صلّ لا تدل ابتداء على الطلب، بل على الإرسال وبتبع دلالتها على الإرسال تدل على الطلب؛ فإنّ الدال على منشأ الانتزاع دال على العنوان الانتزاعی.

ب ـ إنّ کلمة «الأمر» تدل على الطلب بمفهومه الاسمی؛ فإنّ المفهوم الاسمی للطلب هو کلمة «الطلب»، وواضح أنّ کلمة «الأمر» تدل على الطلب بحیث یمکننا إبدالها بکلمة «الطلب»، وهذا بخلافه فی صیغة الأمر، فإنّ مثل کلمة «صل» وإن کانت دالة على الطلب، إلّا أنّ الدال على ذلک هو هیئتها، وواضح أنّ الهیئة تدل على النسبة، ولا تدل على مفهوم الطلب الذی هو مفهوم اسمی، بل تدل على الإرسال والطلب بنحو النسبة.

النتیجة: کما أنّ هیئة الأمر تدلّ على الطلب، کذلک مادة الأمر تدلّ علیه.

حقیقة الطلب لغة

حقیقة الطلب لغة، هی السعی وراء المقصود، فمن فقد شیئاً معیناً وأخذ بالتفتیش عنه والسعی للعثور علیه، سمّی سعیه بالطلب.

شکلا السعی وراء المقصود

الشکل الأول: الطلب التکوینی، وهو أن یسعى الإنسان بنفسه للبحث عن المقصود.

الشکل الثانی: الطلب التشریعی، وهو أن یأمر غیر بالبحث عن المقصود.

1 ـ دلالة مادة الأمر وصیغته على الوجوب

قال الشهید الصدر: تدلان على خصوص الطلب الوجوبی؛ لأنّ المتبادر من کلمة «صل» وکلمة «الأمر» خصوص الطلب الوجوبی لا مطلق الطلب، وهذا لعله شیء واضح ولا اختلاف فیه، وإنّما الاختلاف فی منشأ هذا التبادر وسببه.

الاتجاهات فی منشأ التبادر وتفسیره الاتجاه الأول: منشأ التبادر هو الوضع

إنّ سبب الدلالة هو الوضع، فکلمة «صل» وکلمة «الأمر» تدلان على الطلب الوجوبی من جهة أنّهما وضعتا لذلک، فالوضع للطلب الوجوبی هو السبب لتبادر الوجوب.

والمراد من الوضع تصوّر معنى من المعانی بمجرّد إطلاق اللفظ، بحیث یکون هذا اللفظ هو المتصوّر الأول فی الذهن دون بقیّة المعانی ـ التی یمکن أن یکون هذا اللفظ دالاً علیها ـ وهذا الانسباق والتصوّر السریع الحاصل من اللفظ یکون علامة على أنّ هذا المعنى هو الموضوع له ذلک اللفظ، ولو لا ذلک لاحتجنا فی تصوّره من اللفظ إلى قرینة خارجة عن حاق اللفظ. ولکن من الواضح عدم إمکان الجزم بکون الوضع هو السبب لتبادر الوجوب، إلّا بعد إبطال الاتجاهین الآخیرین.

الاتجاه الثانی: المیرزا، منشأ التبادر هو حکم العقل

إنّ کلمة «الأمر» وصیغته، تدلان على الطلب فقط، من دون دلالة على الوجوب، ولکن الطلب بعد صدوره من المولى وعدم اقترانه بالترخیص، یحکم العقل علیه بالوجوب، فالوجوب إذن على هذا الأساس حکم عقلی ولیس مدلولاً وضعیاً.

الإشکالات على المیرزا

الإشکال الأول: إنّه بمجرد صدور الطلب بدون اقترانه بالترخیص فی الترک لا یحکم العقل بالوجوب، فقد یصدر الطلب غیر مقترن بالترخیص ومع ذلک لا یحکم العقل بالوجوب، کما لو اطّلع على أنّ ملاک الطلب ـ الذی فرض عدم اقترانه بالترخیص فی الترک ـ ضعیف، فالوجوب إذن مسبب عن قوة الملاک، والکاشف عن قوة الملاک هو الأمر، فإنّ أمر صل وصم وغیرهما یفهم منه العرف حینما یسمعه أنّ الملاک فی الصلاة والصوم قوی، فیحکم العقل حینذاک بالوجوب.

والخلاصة: إنّ صدور الطلب من دون ترخیص لیس هو السبب لحکم العقل بالوجوب ـ کما یدعیه المیرزا ـ بل السبب لذلک قوة الملاک التی یکشف عنها الأمر، فلفظ الأمر إذن له المدخلیة الکاملة لاستفادة الوجوب، ولیس الطلب بضمیمة عدم صدور الترخیص کافیاً فی حکم العقل بالوجوب.

الإشکال الثانی:  لو صدر دلیلان أحدهما یقول: «أکرم العالم»، والآخر یقول: «لا یجب إکرام أحد» فالموقف ـ حسب ما یقوله الأصولیون، وحسب ما هو المرتکز فی الأذهان العرفیة أیضاً ـ هو تخصیص الدلیل الثانی بالأول؛ فتکون النتیجة: لا یجب إکرام أحد إلّا العالم، فإنّه یجب إکرامه.

والحال أنّ لازم الاتجاه الذی تبناه المیرزا عدم وجوب إکرام أحد حتى العالم؛ لأنّ الدلیل الأول إنّما یصیر مخصصاً للثانی فیما لو کان الأول دالاً على الوجوب، إذ بدلالته على وجوب إکرام العالم ترفع الید عن عموم لا یجب إکرام أحد، وواضح أنّه بناء على الاتجاه الثانی لا یکون الدلیل الأول دالاً على الوجوب؛ لاقترانه بما یدل على الترخیص فی الترک، فإنّه مقترن بالدلیل الثانی الدال بواسطة عمومه على جواز ترک إکرام کل شخص حتى العالم، ومع عدم دلالة الدلیل الأول على الوجوب لا یکون مخصصاً للدلیل الثانی، بل یحکم بجواز ترک إکرام کل شخص حتى العالم، وهذا ممّا لا یلتزم به أحد حتى المیرزا.

الإشکال الثالث: المراد من عدم الترخیص فی الترک، الذی لا بدّ من افتراض اقترانه بالطلب حتى یحکم العقل بالوجوب، هو أحد احتمالات:

أ ـ أن یراد: لو صدر الطلب ولم یتصل به الترخیص فالعقل یحکم بالوجوب. وهذا الاحتمال باطل؛ لأنّ لازمه أنّ الطلب بمجرد صدوره یحکم العقل بالوجوب ما دام لم یتصل به الترخیص، بحیث لو صدر الترخیص بعد یوم أو یومین، رفض من جهة منافاته لحکم العقل بالوجوب، مع أنّه من الأمور الواضحة أنّ الترخیص یقبل ولا یرفض حتى لو صدر بعد یوم أو یومین ویحکم بعدم الوجوب.

ب ـ أن یراد: لو صدر الطلب ولم یصدر الترخیص المتصل ولا المنفصل فالعقل یحکم بالوجوب. وهذا الاحتمال باطل أیضاً؛ إذ لازمه أن لا یحکم العقل بالوجوب أبداً، فإنّه فی کل آن یحتمل العقل صدور الترخیص الآن أو فیما بعد.

ج ـ أن یراد: لو صدر الطلب ولم یعلم المکلف بالترخیص فالعقل یحکم بالوجوب، وعلى أساس هذا الاحتمال یحکم العقل بالوجوب وإن احتمل صدور الترخیص بعد مدة؛ لأنّه بالتالی لا یعلم بالترخیص، ومع عدم العلم بالترخیص یحکم بالوجوب. وهذا الاحتمال باطل أیضاً؛ إذ کلامنا فی الوجوب الواقعی، وواضح أنّ الوجوب الواقعی لا یناط بالعلم ولا بعدم العلم، وإنّما الذی یناط بذلک تنجز الوجوب، فالوجوب یتنجز عند عدم العلم بالترخیص، ولا یتنجز عند العلم بالترخیص، والمفروض أنّ کلامنا لیس فی تنجز الوجوب، بل فی الوجوب الواقعی.

والخلاصة: إنّ فی المراد من عدم الترخیص ثلاثة احتمالات کلها باطلة، فیثبت أنّ أصل هذا الاتجاه باطل.

الاتجاه الثالث: منشأ التبادر هو الإطلاق ومقدمات الحکمة البیان الأول: الوجوب مرکب من جزئین وجودی وعدمی

الوجوب مرکب من جزئین: أحدهما وجودی، وهو طلب الفعل، وثانیهما: عدمی وهو عدم الترخیص فی الترک، بینما الاستحباب مرکب من جزئین کلاهما وجودی.

والاستحباب یحتاج إلى بیان أکثر؛ لأنّه مرکب من جزئین کلاهما وجودی، وکلّ أمر وجودی یحتاج إلى بیان یدل علیه، فالاستحباب إذن یحتاج إلى بیانین: بیان للجزء المشترک وهو طلب الفعل، وبیان للجزء الثانی وهو الترخیص فی الترک، وهذا بخلاف الوجوب فإنّه یحتاج إلى بیان واحد یبین الجزء المشترک ولا یحتاج إلى بیان آخر للجزء الثانی، فإنّ الجزء الثانی وهو عدم الترخیص فی الترک أمر عدمی والأمر العدمی لیس شیئاً حتى یحتاج إلى بیان، بل هو عدم شیء.

فإذا کان عندنا کلام ـ مثل: أمر اغتسل ـ یدل على حیثیة مشترکة هی طلب الفعل، ودار أمرها بین أن یکون المقصود منها الطلب الاستحبابی الذی هو حقیقة مائزها أمر وجودی؛ تعین الحمل على الطلب الوجوبی، لأنّ الحیثیة الأولى للطلب الوجوبی وهی أصل طلب الفعل یفی بها أمر اغتسل، والحیثیة الثانیة لا تحتاج إلى بیان زائد؛ لکونها أمراً عدمیاً.

الإشکال على البیان الأول

إنّ عدم الترخیص فی الترک الذی هو الحیثیة الثانیة فی الوجوب، وإن کان أمراً عدمیاً، إلّا أنّه لیس کل أمر عدمی لا یراه العرف زیادة، بل بعض الأعدام یراها العرف زیادة تحتاج إلى بیان، کما هو الحال فی عدم الترخیص فی المقام؛ فإنّ العرف یراه شیئاً آخر زائداً على طلب الفعل، وبحاجة إلى بیان زائد، بشهادة أنّ العرف حینما نسأله عن حقیقة الوجوب یجیبنا أنّه عبارة عن جزئین: طلب الفعل وعدم الترخیص فی الترک، فلو کان عدم الترخیص لیس شیئاً زائداً على طلب الفعل فمن المناسب تفسیر الوجوب بطلب الفعل فقط.

مضافاً إلى أنّ عدم الترخیص لو لم یکن شیئاً زائداً ومغایراً لطلب الفعل یلزم کون النسبة بین الوجوب والاستحباب کنسبة المرکب من جزء واحد إلى المرکب من جزئین، أی: کنسبة الأقل إلى الأکثر ـ کالحیوان إلى الإنسان؛ فإنّه یعد عرفاً أقلّ والإنسان أکثر، لترکبه من حیوانیة وناطقیة ـ والحال أنّ ذلک مخالف للوجدان العرفی؛ فإنّه یرى النسبة بین الوجوب والاستحباب نسبة المباین إلى المباین، لا الأقل إلى الأکثر.

البیان الثانی: المحقق العراقی، الإرادة الشدیدة، والإرادة الضعیفة

الوجوب عبارة عن إرادة الشیء إرادة شدیدة، بینما الاستحباب عبارة عن إرادة الشیء إرادة ضعیفة. والإرادة الشدیدة مرکبة من جزئین: إرادة وشدة، وحیث أنّ الشدة عبارة أخرى عن نفس الإرادة، فالإرادة الشدیدة إذن کلها إرادة، وما به الامتیاز عین ما به الاشتراک، وهذا بخلاف الإرادة الضعیفة، فإنّها مرکبة من جزئین: إرادة وضعف، وحیث أنّ الضعف عبارة عن عدم الإرادة، فالإرادة الضعیفة إذن مرکبة من إرادة وعدم إرادة، ولیست کلها إرادة، إذ ما به الامتیاز مغایر لما به الاشتراک، فما به الاشتراک هو الإرادة، بینما ما به الامتیاز هو عدم الإرادة.

والذی یحتاج إلى بیان أکثر هو الإرادة الضعیفة؛ لأنّها تحتاج إلى دالین: دال على الإرادة ودال آخر على عدم الإرادة، بینما الإرادة الشدیدة لا تحتاج إلى دالین، بل تکتفی بدال واحد یدل على أصل الإرادة؛ لأنّ المفروض أنّها إرادة لا غیر.

فالأمر یدل على الوجوب؛ لأنّ الأمر یدل على الإرادة فقط، وحیث أنّ الوجوب هو إرادة خالصة، فیکون هو المدلول للأمر.

الإشکال على البیان الثانی

إنّ مقدمات الحکمة مقدمات عرفیة، والعرف لا یطبّقها فی المجالات التی تستدعی افتراضات دقیقة غیر عرفیة، کما هو الحال فی هذا البیان؛ فإنّه یشتمل على افتراضات غیر عرفیة، مثل ما ذکرنا من أنّ شدة الإرادة إرادة، بخلاف ضعف الإرادة فإنّه عدم إرادة، فیکون ما به الامتیاز عین ما به الاشتراک، فی الإرادة الشدیدة دون الإرادة الضعیفة.

الاتجاه الرابع: منشأ التبادر هو الانصراف إلى الفرد الأکمل

العلّة المنحصرة أکمل الأفراد، فتنصرف الجملة الشرطیة إلیها، بسبب الأکملیة.

الإشکالان

أولاً: منشأ الانصراف ـ کما یقول الأصولیون ـ لیس العلّة المنحصرة، بل کثرة استعمال الکلی فی مورد خاص، وهو الباعث للأنس.

ثانیاً: العلّة المنحصرة لیست أکمل الأفراد، بدلیل النار التی هی علّة للحرارة، سواء أکانت منحصرة أو غیر منحصرة فی مکان ما.

الثمرة فی الاتجاهات الأربعة

قال الصدر: بعد اتضاح الاتجاهات الثلاثة فی تفسیر نکتة استفادة الوجوب، وهی: «الوضع، حکم العقل، مقدمات الحکمة»، فالفارق العملی بینها ـ رغم أنّها جمیعاً تثبت الوجوب ـ یظهر فی موردین:

الثمرة الأولى: إذا استعملت صیغة الأمر فی الاستحباب، فقیل: «اغتسل للجمعة»؛ فهذا الاستعمال فی الاستحباب یکون کما یلی:

أ ـ بناء على الاتجاه القائل بالوضع یکون مجازاً؛ لأنّ الصیغة موضوعة للوجوب، فاستعمالها فی الاستحباب مجاز.

ب ـ بناء على الاتجاه القائل بحکم العقل یکون استعمالها حقیقیاً، لأنّ الصیغة عنده موضوعة لأصل الطلب، واستفادة الوجوب منها یکون بحکم العقل، ومن الواضح أنّه فی حالة إرادة الاستحباب تکون الصیغة مستعملة فی أصل الطلب أیضاً، غایة الأمر لا یحکم العقل بالوجوب؛ لأجل الترخیص فی ترک الغسل.

ج ـ بناء على الاتجاه القائل بالإطلاق یکون استعمالها حقیقیاً، لأنّ الصیغة عنده موضوعة لأصل الطلب، واستفادة الوجوب منها یکون بالإطلاق، فإذا لم یرد الوجوب فأقصى ما یلزم تقیید الإطلاق، لا استعمال الصیغة فی غیر معناها، وهو الطلب، وواضح أنّ تقیید الإطلاق فی «اعتق رقبة مؤمنة» لا یلزم منه المجازیة؛ لأنّ إرادة المقیّد تکون بدال آخر، وهو «قید مؤمنة»، من دون استعمال المطلق فی غیر معناه.

الثمرة الثانیة: لو وردت أوامر متعددة فی سیاق واحد «اغتسل للجمعة، وصل صلاة اللیل، وادع عند رؤیة الهلال»، وفرض العلم من الخارج بأنّ المقصود من الجملة الأولى والثانیة هو ا

/ 1 نظر / 28 بازدید
سلام

سلام